كيف تُغيِّر نفسك في رمضان؟ (2)


مازلنا مع وصايا التغيير الإثنا عشر التي بدأناها في المقال السابق،وقد وصلنا إلى الوصية الخامسة ..

5) لعنة المعصية في رمضان ..

إن أي نعمة لا يغتنمها العبد تتحول ولابد إلى نقمة، ورمضان من أعظم النعم، فمن عصى الله فيه، فعقوبته قادمة لا محالة، قد تتأخر لكنها نازلة نازلة، كالنار تحت الرماد ..

ويكفي أن من لم يجتهد في رمضان لكي يُغفَر له، فإنه مطرود من رحمة الله ..

فما بال من يُضيِِّع أفضل أيام العام في مشاهدة المسلسلات؟ وملأ البطون بالطعام؟!


يقول الرسول  "إن جبريل عرض لي، فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يُغفر له، قلت: آمين .." [صحيح الترغيب والترهيب (1677)]

مما يُلقي في حسِّك ووجدانك أن لا تتعامل مع هذا الشهر كغيره من الشهور؛ في اغتنامك لوقته واستغلالك لفرصه، ويجعل إضاعة الوقت فيه وبذله في التفاهات جريمة مضاعفة وخسارة فادحة، لن يدركها صاحبها إلا حين يجد الأرباح تُوزَّع أمام عينيه يوم القيامة ليس له فيها نصيب!

يقول ابن القيم: "كل نَفَس يخرج في غير ما يقرِّب إلى الله فهو حسرة على العبد".

فكيف إذا خرج هذا النَفَس في ما يكره الله بل في ما يُغضبه؟!


6) أول رمضان في حياتك ..

صُم رمضان هذا العام وكأنك تصومه لأول مرة .. تتلو القرآن غضًا طريًا كما أُنزِل .. تنسكب دموعك على وجنتيك لنسمات دعاء خاشع هبَّت على قلبك .. وتصلي وكأنك تقف بين يدي الله لأول مرة ..

تفتح بذلك صفحة جديدة مع الله .. وكأنك لم تولد إلا الآن ..


7) وآخر رمضان ..

استشعر أنك لن تدرك رمضان المقبل، فتصوم صيام مودِّع، وتقوم قيام مودِّع، وتعمل عمل من يسافر إلى محطة (القبر) عند ختام الشهر!

أيها الشاب.. ماذا تنتظر؟!

أما سمعت عن حوادث السير والحافلات يخطف بها الموت الآلاف كل عام؟!

أما بلغك خبر موتى الفجأة يغادروننا دون سابق مرض أو إنذار؟!

لماذا تستبعد أن يكون الدور عليك؟! أو أن يطرق ملك الموت بابك اليوم أو غدًا؟

فبادر.. وأدرك نفسك!!

8) ابدأ بالأسهل ..

إن البداية السهلة دائمًا تُغري بالمزيد وتبث الثقة في النفوس، أما البدء بالأصعب فقد يبث اليأس إن قاد إلى الفشل، وإن شعور المرء بالإنجاز هو أكبر حافزٍ له على الاستمرار ..

فاعرف نفسك وميولك، وابدأ بما سهل عليك، لتقوى بعدها على بلوغ ما صعب وظننته مستحيلاً،،

9) ابدأ بالأهم ..

حين تضع خطتك وتنوي التغيير بحق، فابدأ بالأهم ثم المهم، والأهم هنا هو فرائض الله.

والفرائض قسمان:

1) أوامر أمرك الله بها .. أو 2) نواهي نهاك عنها ..

ففتِّش عما فرَّطت فيه من أوامر أو وقعت فيه من نواهي، وابدأ به.

ففي مجال علاقاتك: لا تخطِّط مثلا لتحسين علاقاتك مع أصدقائك، وأنت عاقٌّ لوالدَيْك أو قاطع رحم.

وفي مجال عباداتك: لا تطلب قيام الليل وقد أضعت خشوع الفريضة، ولا تعتمر عمرة رمضان بمال حرام أو قبل ردِّ المظالم إلى أهلها.

وفي مجال عاداتك: ابدأ بالتخلُّص من العادة التي تؤذيك وتؤذي من حولك، وقدِّمها على العادة التي تضرك وحدك.

وفي مجال قناعاتك: تبدأ بالقناعات الخاطئة المتفشية في معظم الناس.

وفي قلبياتك: تبدأ بما يمنع من دخول الجنة من كِبر وإعجاب بالعمل يحول دون مراقبته وتحسينه.

10) ابدأ حيثُ أنت، لا حيثُ الآخرين ..

إن كثيرًا من حالات الفشل في التغيير نابع من هذا الباب؛ فمِنْهُم مَن يُبالِغ في الاندفاع الحماسي في التغيير فيصدق عليه قول عبد الله بن عمرو: "إنَّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغِّضوا إلى أنفسكم عبادةَ الله، فإنَّ المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"

فمن يحاول أن يركب فرسه لمسافة طويلة دون توقُّف فإنَّه يفشل بسبب انْهيار الفرس وربَّما موتها، فلا الفَرس سلِمت، ولا هو قطعَ المسافة ..

والغاية أن يحترم الإنسان الطبيعة البشرية بالتدرُّج في التَّغيير،،


11) شحن الوقت ..

اجعل يومك في رمضان مشحونًا بصورة كبيرة، فإن أعمالك محدودة بوقت ضيق جدًا لا يمكن أن تنجزه لو سرت حسب معدلك الطبيعي، فلا تستحضر اتساع الوقت وبحبوحة الزمن .. بل تخيَّل أن زائرك سيغادرك بعد شهر فحسب، وعليك أن تكرمه ما استطعت لينقل الثناء عليك إلى ربٍّ كريم أرسله إليك.

إن الفراغ إن لم يشغله شيء، يؤدي حتمًا إلى ترهل الأداء وتسلل الكسل وغزو الشيطان وإصابة الإيمان في مقتل.


12) تنفَّس الهواء النقي ..

إذا كانت البيئة من حولك تدفَعُك لما يضرك أو تصدُّك عما ينفعك، فعليك بالنظر في كيفية الإفلات من هذه البيئة والتخلُّص منها؛ فإن أساس عملية التغيير يرتكز على المحفِّزات والمحيطات من حولِك، وكثيرٌ مِمَّن اتخذ قرارًا بالتغيير وفشل في تحقيق مراده كان سبب إخفاقه البيئة الفاسدة التي تدفعه إلى العودة لما يريد الإقلاع عنه؛ كالسهر مع المدخنين بالنسبة للمدخن، أو معاشرة مَن يَستخفون بالصلاة ممن يحاول الالتزام بها، أو التساهل في القرب من بعض الفتن رغم ضعفك أمامها.

وأخيرًا .. أبشر أخي ..

تفاءل.. بدِّد يأسك .. لو لم يرد بك الخير ما بلغك هذا الشهر ..
غيرك مات قبل أن يدركه، ولعله غادرنا قبل بدء الشهر بيوم أو يومين، وأنت الذي عشت!!

لعل الله تعالى أراد من إمداد عمرك أن يرفع قدرك.

شارك الموضوع :

مواضيع ذات صلة

التعليقات
0 التعليقات